القرطبي

431

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يفرح المرء بكسبه ويسر بها ، فتضاف إلى ملكه . وجاءت في السيئات ب‍ " عليها " من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة ، وهذا كما تقول : لي مال وعلى دين . وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ، كما قال : " فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ( 1 ) " . قال ابن عطية : ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ، إذا كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجئ التصريفين إحرازا ، لهذا المعنى . السابعة - في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كسبا واكتسابا ، ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق ، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة . ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد ، وأنه فاعل فبالمجاز المحض . وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد . قال ابن عطية : وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية . الثامنة - قال الكيا الطبري : قوله تعالى : " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصا أو دية ، خلافا لمن جعل ديته على العاقلة ( 2 ) ، وذلك يخالف الظاهر ، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضى سقوطه عن شريكه . ويدل على وجوب الحد على العاقلة ( 2 ) إذا مكنت مجنونا من نفسها . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : " ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب على شريك الأب خلافا لأبي حنيفة ، وعلى شريك الخاطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة ، لان كل واحد منهما قد اكتسب القتل . وقالوا : إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شبهة في درء ما يدرأ بالشبهة " . التاسعة - قوله تعالى : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) المعنى : أعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما ، كقوله عليه السلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان

--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 12 . ( 2 ) العاقلة أولا لقبيلة ، وثانيا المرأة .